ابن قيم الجوزية
489
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
بتقييد مطلق ، وهذا كثير في كلامهم جدا ، وله معنى رابع : وهو الذي يعرفه المتأخرون ، وعليه اصطلحوا ، وهو رفع الحكم بجملته بعد ثبوته بدليل رافع له ، فهذه أربعة معان للنسخ . والإحكام له ثلاثة معان : أحدها : الإحكام الذي في مقابلة المتشابه كقوله مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ( 7 ) [ آل عمران ] . والثاني : الإحكام في مقابلة نسخ ما يلقي الشيطان ، كقوله فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ ( 52 ) [ الحج ] وهذا الإحكام يعم جميع آياته وهو إثباتها وتقريرها وبيانها ، ومنه قوله كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ( 1 ) [ هود ] . الثالث : إحكام في مقابلة الآيات المنسوخة ، كما يقوله السلف كثيرا : هذه الآية محكمة غير منسوخة ، وذلك لأن الإحكام تارة يكون في التنزيل ، فيكون في مقابلة ما يلقيه الشيطان في أمنيته ما يلقيه المبلغ ، أو في سمع المبلغ ، فالحكم هنا هو المنزل من عند اللّه ، أحكمه اللّه ، أي : فصله من اشتباهه بغير المنزل ، وفصل منه ما ليس منه بإبطاله ، وتارة يكون في إبقاء المنزل واستمراره ، فلا ينسخ بعد ثبوته ، وتارة يكون في معنى المنزل وتأويله ، وهو تمييز المعنى المقصود من غيره ، حتى لا يشتبه به . والمقصود : أن قوله لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ( 53 ) [ الحج ] هي لام التعليل على بابها ، وهذا الاختبار والامتحان مظهر لمختلف القلوب الثلاثة ، فالقاسية ، والمريضة ظهر خبؤها من الشك والكفر ، والمخبتة ظهر خبؤها من الإيمان والهدى وزيادة محبّته وزيادة بغض الكفر والشرك والنفرة عنه ، وهذا من أعظم حكمة هذا الإلقاء .